الإسلام والحضارة الغربية

يُواجهُ المسلمون اليوم – وأكثرَ مِن أي وقتٍ مضى – تحدِّيًا غيرَ مسبوقٍ يمسُّ جوهرَ عقيدتهم. فَالآراءُ الغربيةُ السائدةُ، والتي تنصِّبُ نفسَها مُحكِّمًا على الصوابِ والخطأِ، تطالبُ بتقييمِ المعتقداتِ والمعاملاتِ الإسلاميةِ وِفقًا لمعاييرها الأخلاقيةِ.

ويتفاقمُ هذا التحدِّي بسببِ عقليةِ ما بعد الاستعمارِ، وهي بقايا نفسيةٌ لقرونٍ من الهيمنةِ السياسيةِ والثقافيةِ، والتي تدفعُ العديدَ من المسلمين – دونَ وعيٍ – إلى قبولِ الحضارةِ الغربيةِ كَمِعيَارٍ افتراضيٍّ للتقدُّمِ والشرعيةِ.

في هذا المقالِ، أُبَيِّنُ أنه بدلاً من الدفاعِ عن الإسلامِ وِفقًا للمعاييرِ الغربيةِ، فإنه ينبغي على المسلمين أن يعبِّروا بثقةٍ عن الإسلامِ انطلاقًا من أُسُسِهِ الخاصةِ. وسأتناولُ ثلاثةَ محاورَ رئيسيةٍ:

أوَّلاً: أُسُسُ الأخلاقِ الإسلاميةِ.

ثَانِيًا: مشكلةُ الحكمِ الخارجيِّ (لماذا لا يمكنُ للمعاييرِ الغربيةِ أن تحكمَ على الإسلامِ؟).

ثَالِثًا: تطبيقٌ عمليٌّ لهذهِ المبادئِ على قضيةٍ معاصرةٍ مثيرةٍ للجدلِ.


الجزء الأوَّل: أُسُسُ الأخلاقِ الإسلاميةِ

الإسلامُ كَحَقِيقةٍ موضوعيةٍ

يُوَضِّحُ الإسلامُ فهمًا للأخلاقِ يختلفُ اختلافًا جوهريًّا عن الفكرِ الغربيِّ المعاصرِ. ففي الإسلامِ، لا تُحدَّدُ الحقيقةُ مِن قِبَلِ المجتمعاتِ البشريةِ أو الثقافاتِ أو الآراءِ المتطورةِ، بل يثبتُها اللهُ تعالى عن طريقِ الوحيِ. ويُحدِّدُ القرآنُ والسنةُ ما يشكِّلُ الخيرَ (المعروفَ) والشرَّ (المُنكَرَ)، مما ينشئُ إطارًا أخلاقيًّا يَتَجاوَزُ حدودَ الزمانِ والثقافاتِ.

تمثِّلُ الشريعةُ الإسلاميةُ مبادئَ عالميةً خالدةً، صالحةً لجميعِ الشعوبِ وفي جميعِ العصورِ، وكما بَيَّنَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ – رحمهُ اللهُ – ذلك بقولهِ: “فإنَّ شرائعَ اللهِ عادلةٌ وحكيمةٌ لجميعِ الخلقِ، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ“{1}. نتيجةً لذلكَ فإنَّ هذا التشريعَ الإسلاميَّ الرَّبَّانِيَّ يُوَفِّرُ استقرارًا وموضوعيةً لا تُوَفِّرُها تلكَ الأنظمةُ الأخلاقيةُ التي هي من تشريعِ الإنسانِ.

مشكلةُ النسبيةِ الأخلاقيةِ

تُطَوِّرُ كلُّ فترةٍ تاريخيةٍ افتراضاتها الأخلاقيةَ الخاصةَ بها، والتي تتشكَّلُ مِن خلالِ ظروفٍ وتجاربَ فريدةٍ. فما يبدو تَقَدُّمِيًّا في حقبةٍ زمنيةٍ معينةٍ، قد يبدو مُضَلِّلاً في حقبةٍ زمنيةٍ أُخرى. ويختلفُ الإطارُ الأخلاقيُّ الغربيُّ، المتجذِّرُ في الفرديةِ والعلمانيةِ، اختلافًا جوهريًّا عن الرؤيةِ الإسلاميةِ الأخلاقيةِ.

ترى النسبيةُ الأخلاقيةُ الغربيةُ أنَّ القيمَ الأخلاقيةَ ليست مطلقةً بل هي نسبيةٌ للزمانِ والمكانِ والثقافةِ. وقد أدَّى صعودُ العلمانيةِ والماديةِ إلى تآكلِ المعاييرِ الأخلاقيةِ المطلقةِ، فقد صارَ تحديدُ الصوابِ والخطأِ خَاضِعًا لرأيِ الأغلبيةِ أو الاتجاهاتِ الاجتماعيةِ المتغيِّرةِ. وهذا يتناقضُ بشكلٍ مباشرٍ مع مفهومِ الإسلامِ للحقيقةِ الموضوعيةِ المُوحَى بها إلهيًّا. وقد حذَّرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ مِن هذا المنهجِ قائلاً: “ومن جعلَ الحقَّ تابعًا لأهواءِ الناسِ أو عاداتِهم فقد ضلَّ عن سواءِ السبيلِ، فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾”{2}.

يُواجهُ الإسلامُ تلكَ النسبيةَ الأخلاقيةَ بالتأكيدِ على وجودِ معاييرَ ثابتةٍ للصوابِ والخطأِ، مستمدَّةٍ مِن الوحيِ (القرآنِ والسنةِ). وهذا يتناقضُ بشكلٍ صارخٍ مع ممارسةِ الكنائسِ الغربيةِ، التي تخلَّت عن العديدِ مِن تعاليمِها لتنسجمَ مع الأعرافِ والممارساتِ السائدةِ. ولَعَلَّ مِن أبرزِ تلكَ الأمثلةِ هو موقفُهم مِن قضيةِ الشُّذوذِ الجِنسِيِّ، حيثُ تمَّ التخلِّي عن قرونٍ مِن الفهمِ اللاهوتيِّ بهدفِ مجاراةِ الأعرافِ الاجتماعيةِ المعاصرةِ. ومثلُ هذهِ التغييراتِ ليست إلَّا تنازلاً عن المبادئِ الإلهيةِ بُغْيَةَ القبولِ الدنيويِّ والمجتمعيِّ. وقد كتبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ – رحمهُ اللهُ –: “الخيرُ ما أمرَ اللهُ به، والشرُّ ما نهى اللهُ عنه، ولا خيرَ إلا ما حسَّنَهُ اللهُ، ولا شرَّ إلا ما قبَّحَهُ اللهُ”{3}.

الفِطْرَةُ البشريةُ والإرشادُ الإلهيُّ

يبرزُ هنا سؤالٌ مهمٌّ: إذا كانَ البشرُ يمتلكونَ القدرةَ على التمييزِ بينَ الصوابِ والخطأِ، فَلِمَاذَا إذًا نحتاجُ إلى الإرشادِ الإلهيِّ؟

والجوابُ يكمنُ في بيانِ مفهومِ الفِطْرَةِ.

يُخلقُ كلُّ إنسانٍ على استعدادٍ فطريٍّ (فِطْرَةٍ) يميلُ بهِ إلى معرفةِ اللهِ والإقرارِ بوجودهِ – سبحانهُ وتعالى –، ويمتلكُ كذلكَ بوصلةً أخلاقيةً أساسيةً. يُدركُ معظمُ الناسِ بِالفِطْرَةِ أنَّ القتلَ، والسرقةَ، والخيانةَ هي أفعالٌ خاطئةٌ، بينما الصدقُ والعدلُ والرحمةُ هي أفعالٌ مَحمُودَةٌ.

وقد نصَّ على ذلكَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ – رحمهُ اللهُ – بقولهِ: “الفطرةُ هي التي فَطَرَ اللهُ عليها عبادهُ، كما قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ‘كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواهُ يهوِّدانهِ أو ينصِّرانهِ أو يمجِّسانهِ”{4}.

ومعَ ذلكَ، يمكنُ أن يُصابَ هذا الحسُّ الأخلاقيُّ الفطريُّ بالفسادِ مِن خلالِ ثلاثةِ عواملَ رئيسيةٍ:

  1. اتِّباعُ الهوى: فإنَّ اتِّباعَ الهوى والشهواتِ والمصالحِ الذاتيةِ قد يُعمِي بصيرةَ الإنسانِ، مما يدفعُهُ إلى تبريرِ السلوكِ الخاطئِ بحثًا عن لذةٍ أو منفعةٍ.
  2. التكَيُّفُ الاجتماعيُّ: يمكنُ للتنشئةِ الثقافيةِ والأعرافِ الاجتماعيةِ أن تُشَوِّهَ البوصلةَ الأخلاقيةَ الفطريةَ، كما أشارَ إلى ذلكَ الحديثُ الشريفُ بتأثيرِ تربيةِ الوالدينِ والمجتمعِ في تشكيلِ معتقداتِ الأطفالِ.
  3. الاستدلالُ العقليُّ القاصرُ: إنَّ العقلَ البشريَّ – على قيمتِهِ العظمى – يظلُّ محدودًا، ويمكنُ تضليلُهُ بمعلوماتٍ غيرِ مكتملةٍ أو أيديولوجياتٍ مقنعةٍ ولكنها خاطئةٌ.

لذلكَ، على الرغمِ مِن أنَّ الفطرةَ تُوَفِّرُ أساسًا للتعرُّفِ على الحقائقِ الأخلاقيةِ، إلا أنها تُثبِتُ قصورَها بمفردها. إذ يُعتبرُ الوحيُ الإلهيُّ (القرآنُ والسنةُ) المرجعَ الأسمى، فهو يؤكدُ ما هو موجودٌ في الطبيعةِ البشريةِ الفطريةِ، ويستعيدُ ما فُقِدَ منها، ويوفِّرُ لأجلِ ذلكَ توجيهاتٍ تفصيليةً فيما تعجزُ عنهُ الملكةُ الفطريةُ. وكما قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ – رحمهُ اللهُ -: “إنما بُعِثَتِ الرسلُ لإتمامِ الفطرةِ، وتوضيحِ ما اشتبَهَ، وتصحيحِ ما غُيِّرَ وبُدِّلَ”{5}.


الجزء الثاني: مشكلة الحكم الخارجي

لماذا لا يمكنُ للمعاييرِ الغربيةِ أن تحكمَ على الإسلامِ؟

إنَّ الحكمَ على الإسلامِ بالمعاييرِ الغربيةِ يطرحُ إشكالياتٍ لعدةِ أسبابٍ:

  • التاريخُ الفريدُ: نشأتِ القيمُ الغربيةُ جَرَّاءَ تجاربَ تاريخيةٍ خاصةٍ، وكردِّ فعلٍ على تجاوزاتِ الكنيسةِ في العصورِ الوسطى. وبالتالي، فإنَّ قيمَهم ليست محايدةً أو عالميةً، بل تعرضُ تجاربَ لحضارتِهم الخاصةِ.
  • تناقضُها معَ الأُسُسِ الإسلاميةِ: يتجاهلُ هذا المنهجُ الطبيعةَ الموضوعيةَ والخالدةَ للإسلامِ. فعندما يحكمُ المسلمون على التعاليمِ الإسلاميةِ وِفقَ معاييرَ خارجيةٍ متغيِّرةٍ باستمرارٍ، فإنهم بذلكَ يَنقُضُونَ فعليًّا الأساسَ الرَّبَّانِيَّ الذي يقومُ عليهِ الإسلامُ.
  • عَلْمَنَةُ الإسلامِ: يؤدي قبولُ النقدِ الخارجيِّ للإسلامِ إلى “عَلْمَنَةِ” الإسلامِ، واختزالِهِ في مجموعةٍ من القواعدِ لا تكونُ صالحةً إلا إذا توافقتْ معَ القيمِ الغربيةِ. وهذا يحوِّلُ الإسلامَ مِن مَنهَجِ حياةٍ شاملٍ قائمٍ على الوحيِ إلى مجرَّدِ أيديولوجيةٍ أخرى تتنافسُ في سوقِ الأفكارِ الحديثةِ.
  • مشكلةُ المفارقةِ التاريخيةِ: تحدثُ هذهِ المشكلةُ عندَ الحكمِ على مجتمعاتٍ وممارساتِ الماضي بمعاييرِ الحاضرِ، معَ افتراضٍ ضمنيٍّ خفيٍّ بِتَفَوُّقِ العصرِ الحاليِ. إذ إنَّ العاداتِ والآراءَ البشريةَ تتغيرُ وتتبدَّلُ باستمرارٍ؛ فما يقبلُهُ عصرٌ ما، قد يرفضُهُ عصرٌ آخرُ. واعتِمَادُ الرأيِ البشريِّ المتغيِّرِ مِعيَارًا للحقيقةِ يخلقُ الارتباكَ والتناقضَ والظلمَ. فالوحيُ الإلهيُّ وحدَهُ يُوَفِّرُ أُسُسًا ثابتةً وموضوعيةً للأخلاقِ والتشريعِ.

التقدمُ: المفاهيمُ الإسلاميةُ والغربيةُ

إنَّ الدعواتِ إلى “نهضةٍ إسلاميةٍ” أو “إصلاحٍ دينيٍّ” غالبًا ما تأتي مِن افتراضٍ مفادُهُ أنَّ جميعَ الحضاراتِ يجبُ أن تتبعَ المسارَ نفسَهُ الذي سلكتهُ أوروبا، والذي مفادُهُ: (التمردُ والابتعادُ عنِ السلطةِ الدينيةِ)، وذلكَ بهدفِ تحقيقِ التقدمِ. ومعَ ذلكَ، فإنَّ هذا الافتراضَ يتجاهلُ التجاربَ التاريخيةَ الفريدةَ لأوروبا.

خلالَ القرونِ التي كانت فيها أوروبا تعاني تحتَ هيمنةِ الكنيسةِ، كانَ العالمُ الإسلاميُّ في أوجِ ازدهارِهِ، حيثُ لم يكنْ هناكَ ما يعادلُ محاكمَ التفتيشِ، ولا اضطهادٌ للعلماءِ، ولا عوائقُ مؤسَّسِيَّةٌ أمامَ التقدمِ الفكريِّ. فمنَ القرنِ الثامنِ إلى القرنِ الرابعَ عشرَ، أصبحتِ الحضارةُ الإسلاميةُ مركزًا عالميًّا للتعلُّمِ، والاكتشافِ العلميِّ، والازدهارِ الثقافيِّ. وقد اشتهرتْ مدنٌ مثلُ بغدادَ وقرطبةَ والقاهرةِ وسمرقندَ بمكتباتِها وجامعاتِها ومجتمعاتِها الفكريةِ النابضةِ بالحياةِ. وقد تعاونَ العلماءُ مِن خلفياتٍ متنوعةٍ، مسلمونَ ومسيحيونَ ويهودٌ وغيرُهم، وساهموا في التطورِ في مجالاتِ الرياضياتِ والفلكِ والطبِّ.

على عكسِ أوروبا في العصورِ الوسطى، حيثُ أدَّتِ الاضطهاداتُ الدينيةُ والفكريةُ إلى ردَّةِ فعلٍ معاديةٍ للدينِ، لم تشهدِ الحضارةُ الإسلاميةُ ظروفًا مماثلةً، وبالتالي، لم يحدثْ ردُّ فعلٍ مِن هذا القبيلِ.

مفهومُ التقدُّمِ في الإسلامِ

يختلفُ الفهمُ الإسلاميُّ للحضارةِ والتقدُّمِ اختلافًا ملحوظًا عن المفهومِ الأوروبيِّ. فنحنُ كمسلمينَ نؤمنُ بأنَّ المجتمعَ الأكثرَ تحضُّرًا وتقدُّمًا كانَ مجتمعَ المسلمينَ حولَ النبيِّ محمدٍ ﷺ قبلَ أربعةَ عشرَ قرنًا. لم يصلْ أيُّ مجتمعٍ ولن يصلَ إلى قمةِ الكمالِ التي حققوها. وتمثِّلُ الفترةُ اللاحقةُ للخلفاءِ الراشدينَ ثاني أعظمِ حضارةٍ مِن حيثُ العظمةِ والتمامِ.

قالَ النبيُّ محمدٌ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ):

“خيرُ الناسِ قرني، ثمَّ الذينَ يلونهم، ثمَّ الذينَ يلونهم”{6}.

ولم يكنْ سببُ تقدُّمِ تلكَ المجتمعاتِ هو التطورُ التكنولوجيُّ، بل قوةُ ارتباطِها باللهِ تعالى، والتطبيقُ الكاملُ للإسلامِ. وبينما كانت أوروبا تعاني تحتَ وطأةِ اضطهادِ الكنيسةِ، ازدهرتِ الحضارةُ الإسلاميةُ بمبادئِ العدلِ والتعلُّمِ والتسامحِ.


الجزء الثالث: الدفاعُ عنِ التعاليمِ الإسلاميةِ – تطبيقاتٌ عمليةٌ

القانونُ الجنائيُّ الإسلاميُّ (الحدودُ)

يُدانُ العقابُ القرآنيُّ المتمثِّلُ في قطعِ اليدِ للسارقِ مِن قِبَلِ المجتمعاتِ الغربيةِ بوصفهِ “همجيًّا” وينتهكُ “حقوقَ الإنسانِ” الأساسيةَ. إلا أنَّ هذا النقدَ يقومُ على سوءِ فهمٍ جوهريٍّ لطبيعةِ الشريعةِ الإسلاميةِ وكيفيةِ تطبيقها العمليِّ للحدودِ.

يعترفُ الإسلامُ بالحقوقِ على أنها مُحدَّدةٌ في نهايةِ المطافِ مِن قِبَلِ اللهِ جَلَّ وعلا، وليست مُحدَّدةً مِن قِبَلِ الرأيِ البشريِّ المتقلِّبِ. أما عقوبةُ السرقةِ فإنها تخدمُ أهدافًا ساميةً، مِنها: حمايةُ الممتلكاتِ، وردعُ الجريمةِ، والحفاظُ على النظامِ الاجتماعيِّ. فالشريعةُ الإسلاميةُ تمنحُ الأولويةَ للمصلحةِ الجماعيةِ على حسابِ المفاهيمِ المبالغِ فيها للحريةِ الفرديةِ.

شروطُ تطبيقِ العقوبةِ

لا تُطبَّقُ الشريعةُ الإسلاميةُ العقوباتِ أبدًا بشكلٍ تَعَسُّفِيٍّ أو دونَ إتباعِ الإجراءاتِ القانونيةِ الواجبةِ. فلتطبيقِ عقوبةِ الحدِّ، يجبُ استيفاءُ عدةِ معاييرَ صارمةٍ:

  • قيمةُ المسروقاتِ كبيرةٌ: يجبُ أن تصلَ قيمةُ الممتلكاتِ المسروقةِ إلى حدٍّ أدنى (نِصَابٍ) يبلغُ حوالي ربعِ دينارٍ (تساوي قيمتَهُ حوالي 340 جنيهاً إسترلينياً اليومَ). قالَ النبيُّ ﷺ: “لا تُقطَعُ اليدُ إلا في ربعِ دينارٍ فصاعدًا”{7}.
  • المكانُ الآمنُ: يجبُ أن تُؤخذَ الأشياءُ مِن أماكنَ مُؤَمَّنَةٍ مثلِ المنازلِ المغلقةِ أو المتاجرِ المحروسةِ، وليسَ مِن الأماكنِ العامةِ غيرِ المحروسةِ.
  • عدمُ وجودِ عذرٍ شرعيٍّ: يمكنُ إسقاطُ العقوبةِ في حالةِ السرقةِ بسببِ الجوعِ أو الحاجةِ الماسةِ. قالَ النبيُّ ﷺ: “ادرؤوا الحدودَ عنِ المسلمينَ ما استطعتم. فإن كانَ لهُ مخرجٌ فخلُّوا سبيله، فإنَّ الإمامَ أن يُخطئَ في العفوِ خيرٌ من أن يُخطئَ في العقوبةِ”{8}.
  • أدلةٌ واضحةٌ وإجراءاتٌ سليمةٌ: يجبُ إثباتُ الفعلِ مِن خلالِ شهادةِ شهودٍ مَوثُوقٍ بهم أو اعترافٍ حرٍّ دونَ إكراهٍ. وأيُّ شكٍّ يؤدي إلى إسقاطِ العقوبةِ، اتباعًا لتوجيهاتِ النبيِّ ﷺ بتجنُّبِ تطبيقِ الحدودِ في حدودِ الإمكانِ.

إنَّ المجتمعاتِ التي تطبِّقُ الحدودَ تشهدُ معدلاتِ جريمةٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الصِّفْرِ عمليًّا، وخاصَّةً فيما يتعلَّقُ بالسرقةِ. إذ تعملُ هذهِ العقوباتُ كرادعٍ قويٍّ، مما يخلقُ الأمانَ في المنازلِ والأعمالِ والأماكنِ العامةِ. والفوائدُ الجماعيةُ لذلكَ هائلةٌ: استعادةُ الثقةِ، وازدهارُ النشاطِ الاقتصاديِّ، وحمايةُ الضعفاءِ والمستضعفينَ.


الخاتمةُ

يمثِّلُ الإسلامُ حقيقةً موضوعيةً وخالدةً، وتُوَفِّرُ الشريعةُ مسارًا مُوحَى بهِ إلهيًّا نحو العدلِ والرحمةِ وازدهارِ البشريةِ. يجبُ على المسلمينَ التَّمَسُّكَ الصارمَ بالقرآنِ والسنةِ، والسَّعيَ لفهمِ هذينِ المصدرينِ الإلهيَّينِ وِفقًا لِمَنهَجِ السلفِ الصالحِ، والانخراطَ في العالمِ مِن موقعِ الثقةِ والوضوحِ، معَ قياسِ الأفكارِ دائمًا بالوحيِ الإلهيِّ، وليسَ بالاتجاهاتِ البشريةِ الزائلةِ.

د. فراسات لطيف

ترجمة: همام زيادة


المراجع

  1. مجموع الفتاوى، 35/373
  2. القرآن الكريم، سورة الأنعام، 6:116
  3. مجموع الفتاوى، 11/256
  4. البخاري ومسلم، مأخوذ من مجموع الفتاوى، مجلد 6، صفحة 350.
  5. مجموع الفتاوى، 19/232
  6. صحيح البخاري ومسلم
  7. صحيح البخاري وصحيح مسلم
  8. سنن الترمذي 1424
Previous Article

The Coloniser’s Mask and the Crisis of Yasir Qadhi

Next Article

Khalīfa ibn Khayyāṭ: Early Sunni Imām of History and Ḥadīth

Write a Comment

Leave a Comment